فخر الدين الرازي
266
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أخبرت عنه في قوله : إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ [ العاديات : 9 ] وثالثها : رفع بالابتداء وخبره : مَا الْقارِعَةُ وعلى قول قطرب الخبر . وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ فإن قيل : إذا أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علما زائدا ، وقوله : وَما أَدْراكَ يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبرا ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد ، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة . المسألة الثالثة : قوله : وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ فيه وجوه أحدها : معناه لا علم لك بكنهها ، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه ، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال : قوارع الدنيا في جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار ، ولذلك قال في آخر السورة : نارٌ حامِيَةٌ [ القارعة : 11 ] تنبيها على أن نار الدنيا في جنب تلك ليست بحامية ، وصار آخر السورة مطابقا لأولها من هذا الوجه . فإن قيل : هاهنا قال : وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ وقال في آخر السورة : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ [ القارعة : 9 ، 10 ] ولم يقل : وما أدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا : الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس ، أما كونها هاوية فليس كذلك ، فظهر الفرق بين الموضعين وثانيها : أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بإخبار اللّه وبيانه ، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع . المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله : الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] ثم قال المحققون قوله : الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ أشد من قوله : الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ لأن النازل آخرا لا بد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه ، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى ، وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعا إلى معنى العدل ، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل . ثم قال تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : الآيات 4 إلى 5 ] يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) قال صاحب « الكشاف » : الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أي تقرع يوم يكون الناس كذا . واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين الأول : كون الناس فيه كالفراش المبثوث قال الزجاج : الفراش هو الحيوان الذي يتهافت في النار ، وسمي فراشا لتفرشه وانتشاره ، ثم إنه / تعالى شبه الخلق وقت البعث هاهنا بالفراش المبثوث ، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر . أما وجه التشبيه بالفراش ، فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة ، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى ، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا ، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة ، والمبثوث المفرق ، يقال : بثه إذا فرقه . وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة . قال الفراء : كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا ، وبالجملة فاللّه سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر ، وبالفراش المبثوث ، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش ، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى : فَتَأْتُونَ أَفْواجاً [ النبأ : 18 ] وقوله : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 6 ] وقوله في قصة يأجوج ومأجوج : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [ الكهف : 99 ] فإن قيل : الجراد